موسوعة شعراء العربية
المجلد السادس - الجزء الثاني
شعراء العربية في الاندلس
بقلم د فالح الكيلاني
( الشاعر ابراهيم بن سهل الاندلسي )
هو إبراهيم بن سهل الاسرائيلي ويكنى بأبي إسحاق الإشبيلي .
ولد بمدينة ( اشبيلية ) عام 605 هجرية - 1208ميلادية.
ونشأ فيها وكان من أبرز سكانها . تتلمذ على يد أساتذة النحو واللغة فيها وكان من بينهم النحوي الذائع الصيت (أبو علي الشلوبيني) والعالم (أبو الحسن الدباج). وكانت أسرته من أصول يهودية وهذه الصفة جرت عليه اتعابا و آ لآما نفسية قاسية في حياته وبعد مماته . واختلف إلى مجالس العلم والأدب فيها فكان كاتبا وشاعرا مجيدا قد انصرف إلى حياة اللهو والمتعة وما يتصل بهما من شعر الغزل وشعرالخمرة والموشحات الاندلسية ، حتى قيل انه (شاعر إشبيلية ووشاحها)
نظم ابن سهل الشعر والموشحات في سن مبكرة، وبرز فيهما حتى عد (شاعر الأندلس والمغرب)في القرن السابع الهجري بلا منازع. وكان ابراهيم بن سهل يرتاد مجالس الطرب واللهو مع اصحابه ومنهم (أبو الحسن علي بن سعيد) على ضفة نهر (أشبيلية) ومنتزهاتها مثل ( مرج الفضة )ومرج (العروس )و(السلطانية) و(فم الخليج) ومرج (شنتبوس )، مما أذكى شاعريته وشدها وقوّاها هذه المناظر الاندلسية الخلابة التي تأخذ الألباب. وكان يمتاز بسرعة البديهة ما جعله يرتجل الشعر في كل مناسبة مداعباً أو واصفاً أو هاجياً. وبرز في الغزل، وكان أغلب نتاجه الغزلي شعراً وموشحات في معشوقِـه (موسى) وهو فتى يهودي كان لشعراء أشبيلية به ولع وشغف. وفيه يقول :
أموسى متى أحظى لديكَ ومبعدي
ودادي وأعذاري إليكَ ذنوبي
رفضتُ لصبري فيكَ أكرمَ عُدّة ٍ
و قاطعتُ من قومي أعزَّ حبيبِ
وهَبتُ ولا مَنٌّ على الحُبِّ مهجتي
و لبي وسلواني لغير ِ مثيبِ
فضاعت ولا ردٌّ عليه وسائلي
و خاب ولا عتبٌ عليه نصيبي
و قالوا : لبيبٌ لو أراد عصى الهزى
تناقضَ وصفا عاشقٍ ولبيبِ
وما باختياري فارَق الحبَّ صَبرُه
ولكن فِراقَ السّيفِ كفَّ شبيبِ
كما برز في المدح اذ يقول فيه :
الهديُ فِيكَ سجيّة ٌ مفطورة ٌ
والنورُ طبعاً في الضحى موجودُ
الملكُ رأسٌ أنْتَ مِغْفَرُ رَأسِهِ
فِيما يُباهي تاجُهُ المعقودُ
أنتَ الشفيقُ على الهدى أنتَ الذي
رَبّيْتَهُ في الغربِ وَهْوَ وَلِيدُ
فإذا استدلَّ على الكمالِ بأهلهِ
فلأنتَ برهانٌ وهمْ تقليدُ
طوقتني طوقَ الحمامة ِ منعماً
فنظامُ مدحكَ في فمي تغريدُ
فاهنأ فلوْ أنَّ الكواكبَ خيرتْ
لأتَتْكَ مِنْها للثناء وفودُ
واسلم لِكيْ تبقى المَكارمُ والعُلا
وإذا سلِمْتَ فكلُّ يَوْمٍ عِيدُ
اما الوصف فقد اجاد فيه وافلح فقال :
يومٌ تضاحكَ نورهُ الوضاءُ
للدهرِ مِنْهُ حُلّة ٌ سِيَراءُ
والبحرُ والميثاءُ، والحسَنُ الرضا
للنّاظِرِينَ ثَلاثَة ٌ أكفاء
فإذا اعتبرنا جودهُ وعلاهُ لم
يغربْ علينا البحرُ والميثاء
واليمُّ رهوٌ إذا رآك كأنّهُ
قد قيّدتْهُ دهشَة ٌ وحياء
وقد أرجع بعض النقاد رقة شعره الى بيئته التي حكمت عليه بالذل فكان قد اجتمع فيه ذلان : ذل عشقه وذل يهوديته في مجتمع يكره اليهودية ويمقت اليهود. وقد سئل مرة عن صحة اسلامه ونبذه لدين اليهودية فاجاب :
( للناس ما ظهر ولله ما ستتر )
أنه بالرغم من موهبته الشعرية كبيرة و أهميتها ةعظيمة الا انه لم يلق العناية بتحقيق شعره تحقيقاً علمياً أسوةً بغيره من شعراء الأندلس المشهورين وهذا ما جرته عليه يهوديته بعد موته .
وكان الشاعر قد مدح كثير من الاعلام في حياته وهجا بعضا و رثى ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.
لما ساء ت الأحوال السياسية حوله اضطر إلى مغادرة (إشبيلية )مع بداية العقد الخامس من القرن السابع إلى جزيرة ( منورقة) حيث قضى ابو الحسن حازم بن محمد بن حازم القرطاجني
ثم انتقل الى المغرب وسكن مدينة ( سبتة ) بالمغرب الأقصى. وكان قد خرج مع ابن خلاص والي ( سبتة )في رحلة في البحر فانقلب بهم الزوق فماتا كلاهما غرقا .
توفي الشاعر ابراهيم بن سهل عام \ 649 هجرية - 1251ميلادية في مدينة ( سبتة ) بالمغرب الاقصى
برز ابراهيم بن سهل في المدح والوصف والرثاء والغزل وغيرها من االفنون الشعرية مرصعاً شعره باقتباسات نحوية ومعانٍ قرآنية في لغة رقيقة واسلوبية شيقة تتخللها بعض المحسنات البديعية غير المتكلفة يقول :
كيف خلاص القلب من شاعر
رقت معانيه عن النقد
يصغر نثر الدر من نثره
ونظمه جل عن العقد
وشعره الطائل في حسنه
طال على النابغة الجعدي
ومن شعره الغزلي وهو كثير يطفح به ديوانه يقول :
صبٌّ تحكمَ كيفَ شاء حبيبهُ
فَغَدا وطولُ الهجر منه نَصيبُهُ
مصفي الهوى مهجوره ، وحريصه
ممنوعُه، وبَريئُه مَعتوبُه
كَذِبُ المُنى وَقْفٌ على صِدقِ الهوى
و بحيثُ يصفو العيشُ ثمَّ خطوبه
يا نجمَ حسنٍ في جفوني نوءه
وبأضلُعِي خَفَقانُه ولهِيبُه
أوما ترقُّ على رهينِ بلابلٍ
رقتْ عليكَ دموعه ونسيبه
ولِهٌ يحنُّ إلى كلامِكَ سَمعُه
ولوَ أنّه عَتْبٌ تُشَبُّ حُروبُه
ويَوَدُّ أنْ لو ذابَ من فرطِ الضَّنى
ليعوده ، في العائدينَ ، مذيبه
ومن شعره في الحكمة :
من الأيامِ لا ألقاكَ عَشرٌ
أطلتُ بها على الزمنِ العتابا
ولستُ أعُدُّ هذا اليومَ منها
لعلَّ اللَّهَ يَفتَحُ منه بابا
فان تكُ لم تَعُدَّ ولم تُحَقِّقْ
فلي شوقٌ يُعلّمني الحِسابا
اما موشحتاته فان براعته لا تقل روعة عن شعره الغزلي وكان يتففن في توزيع نغماتها فموشحاته مظهر من مظاهرالتفاوت الكثير في اظهار قدرته على اتقان نغمات متباعدة رقيقة فالصنعة الدقيقة بسهولتها التعبيرية في موشحاته جعلته من اعلام هذا الفن الجديد ومن شعره التوشيحي يقول :
رحب يضيف الانس قد اقبلا واجل دجى الهم بشمس العقار
ولا تسأل دهرك عما جناه فما ليالي العمر الا قصار
عندي لاحداث الليالي رحيق ترد في الشيخ ارتياح الشباب
كأنما في الكأس منها رحيق وفي يد الشباب منها خضاب
وحقها ما هي الا عقيق اجريت انفاسي فيه فذاب
فاجن المنى بين الطلى والطلا اقد على الاقداح منها شرار
وقل لناه ضل عنه نهاه كفى الصبا عذرا لخلع العذار
واختم بحثي بهذه القصيدة الرائعة من شعره :
لَولا قَضاؤُكَ بَينَ الحُكمِ وَالحَكَمِ
لَما جَرى السَيفُ في شَأوٍ مَعَ القَلَمِ
لَكَ النَدى وَالهُدى نَجلو بِنورِهِما
لَيلاً مِنَ الجَهلِ أَو لَيلاً مِنَ العَدَمِ
أَطلَعتَ صُبحَ الهُدى وَالعَدلِ فاِمتَحِقا
دُجُنَّةَ الفاحِمَينِ الظُلمِ وَالظُلَمِ
فاِنهَض بِجِدِّكَ في حَسمِ الضَلالِ كَما
دَبَّ السَنا في الدُجى وَالبَرءُ في سَقَمِ
لا يَغرَقُ البَحرُ في غَمرِ السَرابِ وَلا
يُخِلُّ بِالنَبعِ فَرعُ الضالِ وَالسَلَمِ
لَو أَنَّ أَرضاً سَعَت شَوقاً لِمُصلِحِها
جاءَتكَ أَندَلُسٌ تَمشي عَلى قَدَمِ
أَلبَستَ حِمصَ سِلاحاً لا يُفَلُّ وَقَد
سَلَّ النِفاقُ عَلَيها سَيفَ مُنتَقِمِ
وَخَلِّ قَوماً تَلوا ما لَيسَ يَنفَعُهُم
كَأَنَّما عَكَفوا فيهِ عَلى صَنَمِ
ظَنّوا الشَقاوَةَ فيما فيهِ فَوزُهُمُ
لا تَثقُلُ الدِرعُ إِلّا عِندَ مُنهَزِمِ
غَرَّتهُمُ بَهجَةُ الآمالِ إِذ بَسَمَت
وَهَل يَسُرُّ اِبتِسامُ الشَيبِ في اللَمَمِ
أَضحى أَبو عَمرٍ اِبنَ الجَدِّ مُنفَرِداً
في الناسِ كَالغُرَّةِ البَيضاءِ في الدُهَمِ
مُحَبَباً كَالصِبا في نَفسِ ذي هَرَمٍ
مُعَظَّماً كَالغِنى في عَينِ ذي عَدَمِ
لَو شاءَ بِالسَعدِ رَدَّ السَهمَ في لُطُفٍ
بَعدَ المُروقِ وَنالَ النَجمَ مِن أَمَمِ
أَغَرُّ يَنظُرُ طَرفُ الفَضلِ عَن حَوَرٍ
مِنهُ وَيَشمَخُ أَنفُ المَجدِ عَن شَمَمِ
لَو أَنَّ لِلبَدرِ إِشراقاً كَغُرَّتِهِ
كانَ الكُسوفُ عَلَيهِ غَيرَ مُتَّهَمِ
دارَت نُجومُ العُلا مِنهُ عَلى عَلَمٍ
وَأُضرِمَت مِنهُ نارُ الفَخرِ في عَلَمِ
مُوَكَّلٌ بِحُقوقِ المُلكِ يَحفَظُها
بِالمَجدِ وَالجِدِّ حِفظَ الشُكرِ لِلنِعَمِ
نامَت بِهِ مُقلَةُ التَوحيدِ آمِنَةً
وَعَينُهُ لَم تَذُق غَمضاً وَلَم تَنَمِ
تُضحي الرِياضُ هَشيماً إِذ تُحارِبُهُ
وَيورِقُ الصَخرُ إِن أَلقى يَدَ السَلَمِ
حَمى الهُدى وَأَباحَ الرِفدَ سائِلَهُ
فَالرِفدُ في حَرَبٍ وَالدَينُ في حَرَمِ
فَجودُ راحَتِهِ رَيٌّ بِلا شَرَقٍ
وَضَوءُ سيرَتِهِ نورٌ بِلا ظُلَمِ
يا مَن عَلى المَدحِ شَينٌ في سِواهُ كَما
يُستَقبَحُ التاجُ مَعقوداً عَلى صَنَمِ
وَمَن جَرى نَيلُهُ بَحراً فَغاصَ بِهِ
أَهلُ الثَناءِ عَلى دُرٍّ مِنَ الكَلِمِ
لَئِن هَزَزتُكَ لِلدَهرِ الخَؤونِ فَما
هَزَزتُ لِلحَربِ غَيرَ الصارِمِ الخَذِمِ
وَإِن جَنَيتُ بِكَ التَرفيهِ مِن شَظَفٍ
فَرُبَّ مَغفِرَةٍ تُنجي مِنَ النَدَمِ
امير البيــــــــــــــــــان العربي
د فالح نصيف الحجية الكيلاني
العـراق - ديــالى - بلـــــــــــدروز
***********************************